أحكام الموت وما بعده

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أحكام الموت وما بعده

مُساهمة  حسين فريد المحامى في السبت أكتوبر 22, 2011 11:56 am

الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
أيها الفضلاء الأخيار، عنوان هذه الأوراق (أحكام الموت وما بعده).
أيها الكرام! الموت مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، قال تعالى: ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)).
ولقد وصل العلم إلى الذروة ولم يستطع أن يكتشف حقيقة الموت، ولا يدرون ما هو؟ ولا كيف يموت الإنسان ومتى يموت؟
وذلك لأن الله اختصه بعلمه سبحانه وتعالى.
والموت توعَّد الله به أعداءه فقال سبحانه: ((قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)).
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لُبَِّ فرحاً.
والمعنى أن كل من انبسط وارتاح وسُرّ بما عنده من مال وولد وما عنده من منصب ووظيفة إذا ذُكر الموت تكدَّر.
دخل أحد الفضلاء إلى خليفة من الخلفاء العباسيين فقال الخليفة: أما ترى القصر؟
قال: رأيته.
قال: أما تراني؟
قال: رأيتك.
قال: أرأيت جيشي؟
قال: رأيته.
قال: ماذا تقول؟
قال:

أنت نِعم الخليل لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإِنسان

ولقد لام عزَّ وجل الذين غُروا بمتاعهم ولعبهم فقال: ((وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)).
قال عدي بن زيد -وهو شاعر جاهلي- وقد خرج مع النعمان بن المنذر قبل الإسلام، وكان عدي بن زيد هذا عاقلاً وقد أقسم وهو في الجاهلية أن لا يشرب الخمر أبداً، فلما جلس مع السلطان الملك النعمان أخذ السلطان يشرب الخمر، فقال له عدي بن زيد : أبيت اللعن -وهذه كلمة تقال للملوك بمعنى أستأذنك في الكلام ولا تغضب عليَّ-، قال: قل.
قال: أتدري ماذا تقول هذه الشجرة التي بجانب الملك؟ وهي لا تتكلم، ولكن أراد هذا الشاعر أن يدخل بموعظة إلى السلطان. قال: لا أدري ماذا تقول؟
قال: تقول الشجرة:

رُب ركب قد أناخوا حولنا يخلطون العذب بالماء الزلال


قد مضوا حيناً وساروا زمناً ثم صاروا جثثاً تحت الرمال

يقول: ألا تعتبر بأجدادك أصبحوا جثثاً وأنت تشرب الخمر، ألا تتفكر وتتأمل؟
أيها الإخوة في الله! موضوع الموت وما بعد الموت والاستعداد للموت هو حديث الساعة. ذلك لأن الناس في هلع ورعب من الموت.
قال الله سبحانه وتعالى وقد أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بالموت: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) وكتبه الله على الكائنات فقال: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ)).
والخلد حرام، لا يخلد من البشر أحد، وهو قول واحد بإجماع العقلاء من الناس قاطبة، قال سبحانه وتعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)) ولذلك فإن أعظم زاد يجب أن نتقدم به إلى الله تعالى هو زاد الإِيمان، والبشرية الآن تبحث عن الإيمان، فالإلحاد الآن أصبح لا حقيقة له، أصبح كذباً، أصبح لعنة، أصبح لا قرار له، حتى رؤساء الإِلحاد والشيوعية في العالم تبرؤوا من الإِلحاد.
قال جوربتشوف رئيس الشيوعيين في العالم ورئيس الاتحاد السوفييتي السابق في البروستريكا : إن الإلحاد خرافة، ولذلك اعتنق هو النصرانية وأثبت بعد الصفحة الخمسين من البروستريكا -يعني : إعادة البناء- أنه مسيحي لأنه وجد أنها كذب.
أما بالنسبة لأحكام الموت وما بعده فقد فصلها أهل السنة والجماعة في كتبهم، ونحن في حاجة إلى فقه الأحكام وما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)). ومعنى الآية عند كثير من المفسرين: من رخاء إلى شدة، ومن نعيم إلى بؤس، ومن حياة إلى موت، فالله يداول الأيام.
السؤال الأول: يقول صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) (1) . فما هو هاذم اللذات؟ وكيف تذكره؟ وما الفائدة من ذكره؟
والجواب: روى الترمذي و النسائي و ابن حبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) والحديث من رواية أبي هريرة (فما ذكر في قليل إلا كثرة). وهاذم اللذات: (بالذال) هو الموت، وهو الذي يهدم اللذة على العبد ويعكرها ويقطعها. واللذة كل ما تلذذ به من مال أو حسب أو نسب أو جاه أو منصب.
فقوله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) ومفرق الجماعات وآخذ البنين والبنات والجملتان الأخريان ليستا من كلامه صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله: فما ذكر في قليل إلا كثرة، وذلك أن من تذكر الموت دائماً يصبح القليل عنده كثيراً.
قال: (وما ذكر في كثير إلا قلله) (1) أي أن الكثير عند أهل الأموال الكثيرة تقلُ في عيونهم أموالهم يوم يذكرون الموت.
دخل أبو العتاهية على هارون الرشيد وكان هارون الرشيد في قصره والشعراء يهنئونه بقصرٍ افتتحه. فقال لـأبي العتاهية : كيف رأيت القصر؟ قال: اسمع مني أبياتاً.
قال: ما هي؟
قال:

عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور

قال: هيه -يعني زد -.
قال:

يُجرى عليك بما أردت مع الغدو مع البكور

قال: زد.
قال:

فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور


فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غُرور

هذا غرور أهل الدنيا وهو غرور يشبه غرور البهائم يوم يصدفون عن ذكر الله سبحانه وتعالى.
السؤال الثاني: هل يجوز للمسلم أن يتمنى الموت؟ ومتى يجوز له أن يتمناه؟
والجواب: لقد نهى صلى الله عليه وسلم المسلم أن يتمنى الموت، هذا من حيث الأصل وهو أصل متفق عليه.
ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من حديث أنس : (لا يتمنين أحدكم الموتَ لضرّ نزل به، فإن كان مُحسناً فلعله يزداد إحساناً وإن كان مسيئاً فلعله أن يتوب) (1) .
فالأصل أن لا يتمنى الموت.
واعلم أن عُمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً عند الله لحديث جابر عند مسلم : (المسلم لا يزيد عُمرهُ إلا خيراً) (1) .
فالشاهد من ذلك أنه إذا أصابك ضرّ أو مرض فلا تتمنَّ على الله الموت.
وهناك مسألة ذكرها أهل السنة كصاحب الطحاوية و ابن كثير و الذهبي أن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما حج في آخر حجة حجَّها رفع يديه عند الجمرات وقال: [اللهم إنها ضاعت رعيتي ورقَّ عظمي ودنا أجلي فاقبضني إليك غير مُفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وموتة في بلد رسولك].
والسؤال: لماذا تمنى عمر الموت؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يتمنَّه.
والجواب عند أهل السنة بجوابين:
الجواب الأول: لم يتمنّ عمر الموت ولم يحدِّد وقته، وإنما تمنى الشهادة في سبيل الله، وتمني الشهادة مطلوب وهي من أفضل الأعمال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) (1) . بينما تجد الرياء والسمعة إذا دخلا في العمل لا ينفع صاحبه حتى إذا قتل في الجبهة وهو مراءٍ لا ينفع، بينما إذا صَدَقَ وقُتل على فراشه فهو شهيد.
وعند أحمد في المسند بسند حسن: (ربَّ قتيل بين الصفين الله أعلم به) وفي لفظ: (الله أعلم بنيته) (1) ، فقد يكون مرائياً. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم: [أن أول من تُسعَّر بهم النار ثلاثة، منهم المجاهد الشهيد فيما يظهر للناس الذي قُتل في المعركة، قاتل رياءً وسمعة ليُقال شجاع وقد قيل فيقال: خذوه إلى النار].
والجواب الثاني: أن الإِنسان إذا تحقق أنه وقع في فتنة. وأن الناس قد فُتنوا فله أن يطلب من الله أن يتوفاه، وقد دل على ذلك نصوص كإخباره صلى الله عليه وسلم: (أن المؤمن في آخر الزمان من كثرة الفتنة يمرّ على القبور ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر) (1) .
السؤال الثالث: ما معنى المؤمن يموت بعرق الجبين؟ وهل عرق الجبين علامة. عند أهل السنة أم لا؟
الجواب: صح عنه صلى الله عليه وسلم عند ابن حبان و أبي داود و النسائي و الترمذي أنه قال: (المؤمن يموت بعرق الجبين) (1) . فما معنى الحديث؟
قيل: المؤمن يموت بعرق الجبين يعني: إذا حضرته سكرات الموت أصابه عرق وأتاه رشح.
وقيل: يموت بعرق الجبين: أي أنه يموت كَدّاً وكدحاً في العمل الصالح، وهي كناية عن اجتهاده في العمل الصالح وعن بذله وعن تقواه لله، عز وجل، حتى يلقى الله عزَّ وجل وقد بلغ من نفسه مَبْلغاً في العبادة والمجاهدة، ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) ولكن من الذي يجاهد في الله؟ هو الذي يَصْدق مع الله عزَّ وجل ويفعل المأمور ويجتنب المحذور أو يتبع القرآن والسنة.
باختصار.. هذا معنى المؤمن يموت بعرق الجبين، وبعض العلماء يقولون: من علامة المؤمن أنه قد يبتسم في سكرات الموت ويعرق جبينه وتأتيه مبشرات، وقد حدث هذا لـابن المبارك فيما نُقل عنه أن تبسّم وقال: ((لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)) وقد تُرى له رؤيا حسنة في الحياة الدنيا، فهي من المبشّرات يراها المؤمن أو تُرى له كما قال صلى الله عليه وسلم.
السؤال الرابع: ماذا يلزم من حضر المحتَضَر الذي حضرته الوفاة؟
الجواب: أن يلقنه لا إله إلَّا الله محمد رسول الله كلمة التوحيد، لا إله إلا الله ندخل بها في الدين، ولا إله إلا الله نختم بها حياتنا، لا إله إلَّا الله قامت من أجلها السموات والأرض.
لا إله إلا الله نزلت من أجلها الكتب وأرسلت من أجلها الرسل، لا إله إلاَّ الله أقيمت من أجلها النار والجنة، ونُصب الصراط ونزلت الصحف ونصب الميزان، لا إله إلا الله وثيقة أرسل بها الرسل عليهم الصلاة والسلام من لَدُن نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
لا إله إلاَّ الله جرت من أجلها بدر و أحد و حطين و القادسية و عين جالوت ومعارك الإسلام، لا إله إلا الله فَيصل بين أهل التوحيد وأهل الكفر، وهي الميثاق الذي أخذه الله عزَّ وجل ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)).
فعليك إذا حضرت مُحتَضراً أن تُلقنه لا إله إلاَّ الله، إما شهيد في المعركة أو مريض أو مصاب بحادث، ورأيت أنه في الرمق الأخير فالله الله أن تجري هذه اللفظة على لسانه فهي من أكبر الحسنات.
قال أبو ذر للرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! لا إله إلاَّ الله من الحسنات؟ قال: أعظم الحسنات، هل بعد لا إله إلا الله حسنة، هي أعظم الحسنات) (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم في الصحيح وهو عند الأربعة: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) (1) من حديث أبي سعيد و أبي هريرة . ومعنى لقنوا: أي قولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالها فلا تعدها عليه.
يذكر الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ قصة عن أبي زرعة الحافظ الكبير وهو من أئمة الجرح والتعديل، يقولون عنه أنه كتب بيده ألف ألف حديث، وقد حضرته الوفاة فأراد تلاميذه أن يُلقنوه لا إله إلاَّ الله ولكنهم استحيوا منه فهو عالم الدنيا ومُحدث المعمورة، واستحيوا أن يقولوا قل: لا إله إلا الله.
ولا حياء في هذا، فأرادوا أن يذكروه بسند الحديث وقد أغمي عليه، فأرادوا فقط أن يقول حدثنا فلان لأنه يعرف بضاعته، فإذا قالوا حدثنا فلان حدثنا فلان تذكر بالسند المتن فقال: لا إله إلا الله، فتلعثموا وكأنهم ما يدرون ما هو السند أهو شعبة أو الأعمش أو سليمان بن مهران ، فأفاق وسمعهم يتضاربون بالكلام بينهم في الحديث فقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القنوا موتاكم لا إله إلا الله) وحدثنا فلان عن فلان عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) (1) ، لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم مات!
وهذه من علامات الحسنى والثبات ((يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ)).
هذا هو التلقين الذي يجب على المسلم أن يُلقن العبد فيه، و أهل السنة يقولون: يدخل العبد في الإِسلام بلا إله إلا الله.
السؤال الخامس: هل يصح في قراءة سورة (يس) على الميت حديث أم لا؟
والجواب: أن الصحيح عند أهل السنة من المحدثين أنه لا يثبت فيها حديث، وليس من السنة أن يقرأ على الميت سورة (يس) لما رواه أبو داود و النسائي و ابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا على موتاكم يس) وهذا حديث معقل بن يسار وهو حديث لا يصح.
قال الدارقطني : حديث مضطرب لا يثبت، وفي سنده أبو عثمان وليس بالنهدي ولا نعرفه، واختلف سنده على كثير من الحفاظ وردوه، والسنن والعقائد لا تثبت بمثل هذا الحديث الضعيف الذي ضعفه العلماء ولم يُثبتوه، والمسلم يقف عند المأثور، ولا يبتدع في دين الله، (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) ، (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (1) رحم الله امرءاً وقف مع الأثر ومع الكتاب والسنّة.
إذاً لا يُقرأ على المحتضَر سورة (يس).
السؤال السادس: هل التسجية قبل التكفين أصل وارد؟ يعني تسجية الميت بثوب أو ببُرد أو بشيء، هل ورد في ذلك شيء؟ الجواب: نعم، ففي الصحيحين (1) عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما توفي سُجِّي ببُرد حَبِرة من برود اليمن ، قبل أن يكفن صلى الله عليه وسلم ويُغسل سُجي ببردٍ حبرة.
وهذا من السنة ليكون الميت مستوراً حتى يعمل تجهيزه في الغسل والتكفين والصلاة عليه، فالمقصد من هذا أن يستر الميت. وهي سنته صلى الله عليه وسلم.
الثامن: ورد عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة عند أحمد و الترمذي بسند حسن أنه قال: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) (1) فعلى العبد أن يجتهد أن يقضي دينه، لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، والحق الذي بينك وبين الله مبني على المسامحة، فعليك أن تجتهد في أن تقضي دينك وأن ترد حقوق الناس قبل أن تلقى الله عز وجل.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد إلا الدين) (1)
يعني شهيد المعركة إذا قتل في سبيل الله غفر الله له ذنبه إلا الدين، قال: (أخبرني بذلك جبريل).
فعلى العبد أن يكتب وصيته فإذا لقي الله عز وجل كان عند ورثته خبر ونبأ ووصية مكتوبة بهذا، وكان عندهم علم، لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما حق امرئ مسلم يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) (1) . فكان ابن عمر يكتب وصيته ويراجعها عند رأسه -رضي الله عنه وأرضاه-.
السؤال التاسع: ما هي صفة الماء الذي يغسل به الميت؟
الجواب: ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم في عرفات قال: (اغسلوه بماء وسِدر، وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه) (1) ، وفي لفظ: (وجهه).
قوله: (واغسلوه بماء وسدر) لأن الماء والسدر أنقى، وكفنوه في ثوبيه يعني: في ثوب الإِحرام حتى يُبعث يوم القيامة ملبياً، وقد ورد في ذلك خبر يعني يخرج من قبره يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك... ولذلك لم يغط رأسه لأنه محرِم والمحرم لا يُغطى رأسه على الصحيح، وفي تغطية وجه المحرم خلاف.
إذا عُلم هذا فالمقصود أنه لا بأس أن يمزج الماء الذي يُغسل به الميت بسدر أو كافور كما في حديث زينب ، أو صابون لا بأس في ذلك، لأن المقصود الإِنقاء وهذا الشيء الطاهر الذي يضاف إلى الماء لا يُنجسه.
السؤال العاشر: كيف غُسل الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: روى الإِمام أحمد و أبو داود عن عائشة : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات أتى علي بن أبي طالب و العباس و الفضل و أسامة يغسلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في ثيابه المطهرة صلى الله عليه وسلم، فلا يدرون هل ينزعون ثيابه ويباشرون جسمه الطاهر الطيِّب -بأبي هو وأمي- أم يُغسلونه من فوق الثياب؟ فاختلفوا) وفي رواية أبي داود : (فألقى الله عليهم النعاس فناموا الأربعة في الغرفة فسمعوا هاتفاً يقول: اتركوا ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه واغسلوه من فوق الثياب) (1) ، فغسلوه بالماء ودلكوه والثياب عليه صلى الله عليه وسلم وما نزعوا ثيابه.
فهذه صفة غسله صلى الله عليه وسلم، غسل من على ثيابه ودُلك صلى الله عليه وسلم، فهو الطيب المُطيَّب، حيّاً وميتاً، ولذلك أتاه أبو بكر قال: [يا رسول الله ما أطيبك حياً وميتاً].
السؤال الحادي عشر: هل يجوز للقريب والصاحب تقبيل الميت؟
الجواب: نعم. وقد أتى أبو بكر والرسول صلى الله عليه وسلم مسجّى قد مات، فكشف الغطاء عن وجهه وبكى وقال: ما أطيبك حياً وما أطيبك ميتاً.
وحديث غسل زينب السابق روته أم عطية في الصحيحين أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفيت أتى الرسول فوقف على النساء في الباب وقال لـأم عطية : (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك) وفي لفظ: (تسعة) وبعض الحفاظ لا يُثبتها، (واجعلن آخره كافوراً أو شيئاً من الكافور، وإذا غسلتموها فآذنَّني) (1) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا من غسلها أخبروا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فأعطاهن حقوه. والحقو إزاره الذي يلي جسده صلى الله عليه وسلم، وأمر أن يُجعل شعاراً لها.
وفي هذا الحديث قضايا: منها أن المرأة تغسل المرأة ولو كانت أجنبية، ومنها أن السنة في الغسل ثلاث أو خمس أو سبع على الوتر، وهو سنة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في ذلك.
ومنها أنه لا بأس أن يخلط الماء بشيء من كافور أو من الطيب حتى تكون رائحة الميت طيبة.
ومنها التبرك بآثار الصالحين، وهذا له خاصة صلى الله عليه وسلم ليس لأحد غيره فيما نعلم، وهو أصل عند أهل السنة ولو أن البعض تجوَّز، لكن آثاره صلى الله عليه وسلم فقط ثيابه وشعره وأظفاره هي التي فيها البركة صلى الله عليه وسلم وليست لغيره.
السؤال الثاني عشر: ما هي صفة الكفن؟
والجواب: ورد في الصحيحين من حديث عائشة (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كُفّن في ثلاثة ثياب بيض سحولية) (1) -سحولية نسبة لسحول قرية بـاليمن -بيض من كُرسف -يعني: من قطن- كفن فيها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فثلاث قطع بيض تلف على الميت، هذه صفة الكفن. ومن كُفن في قميصه فوارد عند أهل السنة ، وجائز أن يكفن في ثوبه إذا كان ثوبه نظيفاً جميلاً طيباً، والسنة أن يكون أبيض.
السؤال الثالث عشر: هل يجوز التكفين في القميص؟
الجواب: أتى عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول لما مات أبوه المنافق عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين والحاسدين الناقمين على الإسلام فقال: [يا رسول الله أعطني قميصك حتى أكفن أبي فيه] وهو عدو للإِسلام، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم تقديراً لابنه المسلم المؤمن أعطاه قميصه، فأتى فكُفن هذا المنافق فيه وجعله جزاءً لابنه وإكراماً لابنه فجعله كفناً لأبيه.
وقد استدل به البخاري (1) وأمثاله على أن القميص لا بأس به أن يكون كفناً، وحمل هذا المجرم إلى القبر وقام صلى الله عليه وسلم يصلي عليه فأتى عمر أمامه قال: (يا رسول الله تصلي على عبد الله بن أُبي بن سلول رأس المنافقين؟! قال: دعني يا عمر ، قال: يا رسول الله كيف تصلي عليه؟ أما فعل كذا، أما فعل كذا، أما فعل كذا؟ كيف تصلي عليه وقد قال سبحانه وتعالى: ((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ)).
قال صلى الله عليه وسلم: دعني يا عمر والذي نفسي بيده لو أعلم أن الله يغفر لهم بعد السبعين لاستغفرت له بعد السبعين). فلما صلى أتى العتاب من الله عز وجل إليه صلى الله عليه وسلم وقال: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ))، فجعلها صلى الله عليه وسلم خاتمة عمله في هذه المسألة.
والشاهد في هذا أيها الإخوة التكفين في القميص.
كان ابن المبارك رضي الله عنه وأرضاه المحدث الزاهد العابد، له ثوب يصلي فيه دائماً صلاة الليل، فلما حضرته الوفاة قال: كفنوني في ثوبي هذا، فإني قد صليت فيه لله كثيراً وكنت أقوم فيه الليل.
وابن القيم له كلام في مدارج السالكين يقول: إن آثار الصالحين لها أثر على الصالحين كثياب الصالحين وعمائم الصالحين وأحذية الصالحين. قال: حتى ترى وسام الصلاح عليها، وكذلك الفسقة تعرف ثيابهم وتعرف عمائمهم مما عليها من الفجور والفسق، وهذا أمر يعلمه أهل التقوى وأهل الفراسة الإِيمانية.
السؤال الرابع عشر: هل هناك سنة في لون الكفن؟
والجواب: روى ابن عباس عند الخمسة إلا النسائي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا البياض فإنها خير ثيابكم أو من أطيب ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) (1) .
فالبياض لون جميل وهو أحسن ما يلبسه العبد المؤمن، والبياض مذكور في كثير من الأحاديث، يقول صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: (ونقني من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس) (1) .
قال عمر رضي الله عنه كما ذكر مالك في الموطأ في آخر الباب: يعجبني أن يكون ثوب القارئ أبيض.
فقوله صلى الله عليه وسلم : (ألبسوا البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) دليل على أن السنة في الكفن أن يكون أبيض، وذلك من باب التفاؤل أن الله يبيض هذا الميت، وأن يكون منقى هذا الثوب كهذا الكفن من الأوزار ومن الأوساخ والأدران، والله المستعان.
قول أحدهم:

خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن


وانظر لمن ملك الدنيا وجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن

أو كما قيل.
ولذلك ما ذهب أحد من الناس من القرون الأولى ولا الأخيرة إلا بالطيب والكفن، وهذه عبرة للمعتبرين وعظة للمتعضين، ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)).
يقولون: لما حضرت أبا بكر الوفاة رضي الله عنه وأرضاه أتوا بثياب جديدة، قال: [ما هذه الثياب؟ وهو في سكرات الموت، قالوا: نكفنك فيها، قال: لا، الحي أولى بالجديد من الميت، وأنا ميت، إذا مت فاغسلوا ثوبي هذا -ثوباً قديماً كان يصلي فيه ويجاهد فيه ويتصدق فيه ويقرأ القرآن فيه ويسبح فيه- وكفنوني فيه. فلما حضرته الوفاة قال: اذهبوا بثوبي الآخر إلى عمر وبالبغلة وبهذا الجمل وقولوا: يا عمر ! اتق الله لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي، فلما ذهبوا بهذا إلى عمر بكى وجلس وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر].
السؤال الخامس عشر: هل ورد في إحسان الكفن حديث؟
الجواب: نعم روى مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه؛ فإنهم يبعثون في أكفانهم، ويتزاورون في أكفانهم) (1) . يعني: إذا توليت أنت كفن المؤمن من قريب أو حبيب أو صديق، فأحسن كفنه، يعني حُسناً لا يدخل في المغالاة، لأن المغالاة سوف يأتي نهي عنها، فلا ينفع الميت إلا عمله، تسبيحه... ذكره... صلواته... والله لو نسجت له كفناً من ذهب، والله لو ألبسته تاجاً في القبر، والله لو صنعت له كساءً من فضة لا ينفعه إلا أن يكون من أولياء الله، وإذا كان من أولياء الله فلو كان في خيشه، أو لو مات من غير كفن، فإن عمله الصالح هو الذي ينفعه فقط. وإحسان الكفن أن تختار ثياباً جميلة نسبياً بيضاء طيبة نقية، هذا هو الإحسان.
أما المغالاة في الكفن فقد نهى عنها صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح فقال: (لا تغالوا في الكفن فإنه يُسلب سريعاً) (1) ، يعني يُسلب يصبح هباءً منثوراً تأكله الدود في ثلاثة أيام.
كان عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد الراشد الذي جدَّد أمر الأمة في المائة سنة الأولى، تولى الخلافة وعمره (39) سنة وقاد الأمة بالزهد، ما كان عنده إلا ثوب واحد. كان يوم الجمعة، خليفة يملك اثنتين وعشرين دولة إلى حدود إسبانيا و سيحون و جيحون و السند و الهند ، يملكها كلها ومع ذلك ما عنده إلا ثوب يغسله يوم الجمعة ويبقى في فراشه حتى يجف الثوب ثم يصلي فيه، يقول له الناس: ألا تتزين وتتجمل؟
قال: كيف لو رأيتموني بعد ثلاث ليالٍ في القبر إذا تولى عني الأحباب والأصحاب وأكلني التراب؟!
فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعاً) معنى ذلك:
لا تهتموا به غالياً فإنه ثلاثة أيام وينتهي وما يبقى إلا العمل الصالح.

يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ


ويا حريصاً على الأموال تجمعها أكْثر فإن سرور المال أحزانُ


يا مُتعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسرانُ


أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ

السؤال السادس عشر: الجمع بين ميتين فأكثر، هل يجوز أن تجمع بين ميتين في قبر أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر؟
وهل إذا أتت حروب مُدْلَهمة أو موت كاسح في الناس، هل يجمع بين اثنين أو أكثر؟
الجواب: السنَّة في ذلك أن يدفن كل ميت وحده، لكن إذا احتاجوا إلى ذلك من كثرة القتلى أو كثرة الأموات فالجائز والوارد أن يُدفن اثنان أو أكثر في قبر واحد. روى جابر في البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جمع قتلى أحد الاثنين والثلاثة في قبر، يقدم الأكثر أخذاً للقرآن يقول: (أيهم أكثر حفظاً للقرآن) (1) ؟
وكان عند الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب القرآن سيداً من السادات، يقول أنس : [كان الرجل إذا حفظ سورة البقرة وآل عمران جدَّ فينا]، يعني نبل وفضل وأصبح سيداً.
أتى كوكبة من الصحابة يريدون غزوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفيكم أحد يحفظ سورة البقرة؟ قال أحدهم: أنا يا رسول الله، قال: اذهب فأنت أميرهم) (1) . فشاهدنا هنا أنه يجوز الجمع بين الثلاثة والأربعة. ويستحب عند أهل العلم أن يكون الأحباب في الدنيا مجموعاً بينهم في القبر، يعني المتوافقين والزملاء والأحبة والجيران المتآخين أن يكونوا في قبر واحد، ولا يُجمع بين غير المحارم كما لا يجمع بين الأجنبية والأجنبي، لا لم يرد في ذلك حديث، والأصل المنع من ذلك.
السؤال السابع عشر: قد مرَّ معنا وهو المغالاة في الكفن ونهيه عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك من حديث علي عند أبي داود .
السؤال الثامن عشر: هل لأحد الزوجين أن يُغسَّل الآخر؟
الجواب: الزوج له أن يُغسَّل زوجته والزوجة تغسل زوجها. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد و ابن ماجة و ابن حبان أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها قبل أن يموت بأيام: (لو مُت قبلي لغسلتُك) (1) ، يقول صلى الله عليه وسلم وقد زار بقيع الغرقد الأموات فسلم عليهم في ظلام الليل ثم عاد وهو معصوب الرأس من الصُداع وقال: وارأساه، بل في الصحيح أن عائشة قالت: (وارأساه، قال صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه) (1) وهذا على سبيل المداعبة. قالت: (لو متُ أنا أظنك أنك تتزوج بعدي -انظر لغيرة المرأة حتى بعد الموت- قال صلى الله عليه وسلم: بل أنت لو مت لغسَّلتك) يعني ترك المزح صلى الله عليه وسلم، يعني كأنه يتخيل أنه قريب الميعاد من لقاء الله عزَّ وجل: ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)).
أخذ من هذا أهل العلم أن الرجل يجوز له أن يغسل زوجته.
السؤال التاسع عشر: هل لنا أن نُصلي على من مات في حدّ؟ يعني رجل ارتكب كبيرة من الكبائر، مسلم زنا فحُدَ وهو مُحصَن فرُجم بالحجارة حتى مات هل نصلي عليه؟ قاتلُ نفسٍ، قتلَ نفساً ثم قُتل هل نصلي عليه؟ أم لا.
الجواب: روى بريدة بن الحصيب في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على الغامدية التي رُجمت من الزنا (1) ، فما أرحمه وما أحسنه وما أحسن هذا الدين، نحن أهل السنة والجماعة لا نكفر بالكبائر، وأهل الكبائر الذين لم يستحلُّوها لا زالوا مسلمين لكنهم فسَقة. يقول الحافظ الحكمي : لكنهم عصاة قد يدخلون النار بلا تخليد، وأن من كفر بالكبائر مثل الخوارج عليهم غضب من الله وهم مخالفون مبتدعة.
فالمقصود من هذا أن من ارتكب حدّاً وأقيم عليه حدٌّ فإنه يُصلى عليه ولا زال مسلماً كالمحدود من الزنا، وإذا تاب وعُلمت توبته وندم وأتى يطلب الحدّ فإنه يُقام عليه الحد ثم يُصلى عليه كما فعل صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم .
السؤال العشرون: هل تجوز الصلاة على من قَتَل نفْسه؟
الجواب: روى جابر بن سمرة في صحيح مسلم أن رجلاً قتل نَفْسه فمات فما صلَّى صلى الله عليه وسلم عليه، ترك الصلاة عليه.
قال أهل العلم: تحذيراً من الإِمام أن لا يصلي على هذا، وما أعلم أن المسلمين صلُّوا عليه. وقد تتبعت هذه الرواية لأرى هل الصحابة صلُّوا عليه أم لا فما رأيت ذلك، والأصل أن نقف عند المأثور وهو أنه لا يصلى على من قتل نفسه تحذيراً له، وقد يرحمه الله بعد تعذيبه بهذا، وذلك لأنه ما كفر ولكنه فعل فعلاً من الكبائر، نسأل الله العافية والسلامة.
السؤال الحادي والعشرون: هل يُصلَّى على الميت في قبره إذا فاتت الصلاة عليه في الحياة؟ يعني أتيت وصاحبك قد توفى وما أدركت الصلاة عليه مع الناس وأتيت وقد نقلوه وقبروه ودفنوه فماذا تفعل؟ الجواب: السنة في ذلك: أن تذهب وتصلي عليه صلاة الجنازة وهو في القبر، ويقول أهل العلم: إذا كان العهد قريباً وقدَّر بعضهم ذلك بشهر أو بما يقاربه، لما رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة قال: (كانت امرأة تقمُّ المسجد -وفي لفظ: رجل- فماتت فكأنهم سهلوا شأنها وما أرادوا أن يخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنها، فصفوا عليها ودفنوها، فسأل عنها صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم دفنوها أو دفنوه فقام على قبرها فصلَّى عليه صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازة) (1) .
وعند البخاري من حديث ابن عباس موقوفاً عليه وهو من قبيل المرفوع الحكمي قال: (صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ مرَّ بنا فصلَّى على قبر دفن لشهر) أي لفترة شهر، فبعض أهل السنة يحدِّد بالشهر، وأما من فاتت مدته وطالت مدته فلا، بل تكتفي بالدعاء له والاستغفار.
السؤال الثاني والعشرون: حكم النعي! النعي في الإِسلام ما حكمه؟
الجواب: روى الإِمام أحمد و الترمذي عن حذيفة قال: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن النعي) (1) وقال: (لا - نعي في الإِسلام) (1) . فالنعي المنهي عنه هو الإِخبار على وجه التشهير بأن تُشهر به وتجعل له منزلة فوق منزلته كما يفعل الآن الناس في الصحف والمجلات، فيقول: ننعى إليكم فلان بن فلان الذي توفّي يوم كذا وكذا، وينشرون إعلانات في الصحف. هذا من النعي المحرم لأنهم يريدون به الشهرة، ثم يكتبون بعد ذلك إعلانات شكر لمن اتصل بهم في الهاتف وإعلانات شكر لمن زارهم ولمن واساهم ولمن بكى مع بكائهم أو غير ذلك، وهذا كله لم يرد في الإِسلام وهو خلاف السنة.
روى البخاري عن أبي هريرة لما مات النجاشي قال: (نعى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه) (1) ، فكيف نجمع بين الحديثين؟ يقول هنا: (نعى إلينا) وهناك: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقال: (لا نعي في الإِسلام).
أما حديث النجاشي فمعناه: أخبرنا، فالخبر لا بأس به، فلك أن تُخبر بموت الميت ليحضر الناس لكي يصلوا عليه، لكن أن تُشهِّر به في الناس وتَنْدُبه وتخبر به فهذا ليس وارداً وليس من السنَّة، وإنما النعي هنا بمعنى أخبرنا صلى الله عليه وسلم بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فصلَّى عليه الصحابة كما سوف يأتي.
السؤال الثالث والعشرون: هل يصلَّى على الغائب؟ رجل مات في مدينة مثل الرياض ونحن هنا في خميس مشيط هل نصلي عليه هنا؟ وذلك لأن الناس كثر الحديث بينهم في هذه القضية وكثر القيل والقال؟
الجواب: للعلماء أربعة أقوال في المسألة.
بعضهم يقول: إذا كان الميت اتجاه القبلة فنصلي عليه، وهذا لا دليل عليه أبداً.
وبعضهم يقول: نصلي عليه مطلقاً، واستدلوا بحديث معاوية بن معاوية المزني أنه مات في المدينة والرسول صلى الله عليه وسلم في تبوك فصلَّى عليه صلى الله عليه وسلم من هناك. والحديث ضعيف لا يصح، بل يصل إلى درجة الوضع (1) ولكن ما هو الصحيح والراجح في المسألة؟
الراجح أن المسلم إذا مات في بلدٍ لم يُصل عليه فيه فيصلي هو عليه، يعني مسلم مات في بلد، ولكن ما سمعنا أن أحداً صلَّى عليه فنصلي عليه صلاة الغائب لأن بعض العلماء قال: إن النجاشي لما توفي بأرض الحبشة وكانوا على دين النصرانية وما صلَّوا عليه، فصلَّى عليه صلى الله عليه وسلم في المدينة وذاك في الحبشة صلاة الغائب.
فالمسلم إذا مات وتيقنَّا أنه لم يُصلَّ عليه صلَّينا عليه.
الحالة الثانية: قالوا إذا كان للمسلم بلاءٌ حسن، إنسان مشهور، عالم من العلماء الكبار، كما يفتي علماؤنا الآن بصلاة الغائب على عالم من العلماء أو مجاهد من المجاهدين الكبار، أو رجل عادل كان له عدل وكان يحكم بالكتاب والسنة فهذا يُصلى عليه.
فهي حالتان: إذا لم يصل على الميت في البلد الذي مات فيه صلي عليه.
والحالة الثانية: إذا كان له أثر وبلاء حسن فيُصلى عليه، أما إننا كلما سمعنا بميت قمنا صلينا عليه وقلنا للناس: مات فلان بن فلان لأنه مسلم لكن ما له أثر وقدم صدق، فليس هذا بوارد في السنة فيما أعلم هذا في صلاة الغائب.
السؤال الرابع والعشرون: عدد المصلين الذي ورد مرغباً فيه عنه صلى الله عليه وسلم ما هو؟
الجواب: ثبت عند الإِمام أحمد و أبي داود عن ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئاً إلَا شُفعوا فيه) مسلم في الجنائز (59) / (948). وأحمد في المسند (1: 277، 278). \\ . وكلما كثُر العدد كان أحسن، والسنة أن يكونوا ثلاثة صفوف. وكان ابن عباس إذا تَقَالَّ الناس وزَّعهم ثلاثة صفوف لأنه من أحسن ما يكون، وكذلك فعل جابر وكثير من الصحابة، فالأربعون فما فوق أحسن.
وورد عن ابن عباس في رواية: (مائة وعشرون) لكن الأقل هو الذي ورد والأكثر كأنه على زيادة الأجر والله أعلم. فهنيئاً لمن صلَّى عليه أربعون أو أكثر لا يشركون بالله شيئاً وأخلصوا له الدعاء، فعسى الله أن يُشفعهم فيه.
السؤال الخامس والعشرون: صفة الصلاة على المرأة.
الجواب: ورد عن جابر بن سمرة (أن الرسول صلى الله عليه وسلم ماتت امرأة في عهده بسبب الولادة، أو ولدها مات في بطنها فماتت بهذا، فقام صلى الله عليه وسلم وقام وسطها فصلى بالناس) (1) . فالسنة أن يقوم الإِمام وسط المرأة إذا عرَّضها أمام الناس أن يقوم وسط المرآة، وعند صدر الرجل، هذه سنته صلى الله عليه وسلم في الصلاة. والدعاء للمرأة يتغير بلفظ المؤنث، والرجل بلفظ المذكر، وسوف نذكر الأدعية التي كان يدعو بها صلى الله عليه وسلم.
السؤال السادس والعشرون: هل يجوز لنا أن نصلي على الجنازة في المسجد؟
والجواب أن نقول: الأصل في ذلك أن تكون في الجبَّانة في الصحراء. هذا الأحسن والأحوط. وكان الصحابة يفعلونه وهو الأغلب في فعلهم مع الجنازة، لكن في حديث عائشة رضي الله عنها كما في الصحيح قالت: (والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل وسهل بن البيضاء إلاَّ في المسجد) (1) . يعني احتاجت رضي الله عنها أن تدفع حجة من يقول لا يجوز، لأن المشهور عند الصحابة أنهم صلوا هناك، لأن سبب الحديث أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه توفي فأتوا به من البادية فأدخلوه في المسجد مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلون عليه، فأنكر بعض الصحابة، فقالت عائشة : ما بال الناس؟ ما أسرع ما نسي الناس! (والله ما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل وسهيل بن البيضاء إلاَّ في المسجد).
فعُلم أنه جائز، ولا مانع أن يُصلى على الميت في المسجد إذا كان الجمع أكثر أو كانت الجبانة أو الصحراء بعيدة ولا يمكن أن يذهب الناس إلى هناك، فالأمر وارد في السنة وله أصل، لكن الأولى والأحوط إذا كانت المقبرة قريبة أن يُصلى عليه في الصحراء في الجبانة.
السؤال السابع والعشرون: وصف الصلاة على الميت والدعاء.
الجواب: ورد أربع تكبيرات، وورد خمس، والراجح الأربع كما يقول الحنابلة وغيرهم من المحدثين. كان صلى الله عليه وسلم يُكبر التكبيرة الأولى فيقرأ سورة الفاتحة، وكان ابن عباس يجهر بها أحياناً يُعلمها الناس يقال: ليعلموا أنها سنة. وورد أن ابن عباس كان يقرأ: ((قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)) مع الفاتحة. ويُكبر الثانية ويصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة الإِبراهيمية: اللهم صلّ على محمد وآل محمد (الحديث)، ويكبر الثالثة ويدعو للميت كما في حديث عوف بن مالك قال: (توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فاقتربت من الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لامست ثيابي ثيابه، فسمعته يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم عافه واعفُ عنه، وأكرم نُزله، ووسع مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه) (1) .
قال عوف بن مالك : [فوددت والله أني أنا الميت] -يعني من حسن الدعاء-.
وكان صلى الله عليه وسلم لربما قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإِسلام، ومن توفيته منا فتوفّه على الإِيمان، اللهم لا تفتنَّا بعدهم واغفر، لنا ولهم) (1) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم يُسلم تسليمة واحدة على اليمين كما هو معروف، وإن سلم تسليمتين فوارد ذلك في حديث معقل بن يسار وهو صحيح، وحديث ابن المغفل وهو صحيح: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم سلم تسليمتين) (1) . فالإِمام أحياناً يسلم تسليمتين إذا أراد، ولكن الغالب الراجح تسليمة واحدة.
السؤال التاسع والعشرون: ما أجر من شهد الجنازة؟
الجواب: صحّ عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: (من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها وتُدفن عاد من الأجر بقدر قيراطين، كل قيراط كـجبل أحد) (1) .
السؤال الثلاثون: أين يكون المشيِّع للجنازة؟
الجواب: الماشي، المشيِّع الذي يمشي، السنَّة أن يكون أمام الجنازة لما رواه الخمسة و ابن حبان (أن الرسول صلى الله عليه وسلم و أبا بكر و عمر كانوا يمشون أمام الجنازة (1) ، أما الراكب فخلفهم) ، الذي يشيعها وهو راكب سيارة أو دابة السنة أن يكون خلف الجنازة، وأما الماشي فيمشي أمام الجنازة، وإن مشى بجانبها فحسن ولا بأس، ولكن الأفضل أن يكون أمامها.
السؤال الحادي والثلاثون: هل يجوز اتباع النساء للجنازة؟
الجواب: تقول أم عطية في الصحيحين : (نُهينا عن اتباع الجنازة ولم يُعْزَم علينا) (1) ، نهاهم صلى الله عليه وسلم، ولكن تقول ما عَزَم عليهم، وأهل العلم كثيراً منهم يرون أن لا تتبع المرأة الجنازة ويلحقونها بباب زيارة القبور للنساء لأنها سريعة الهلع وقليلة الصبر، فليس لها أن تتبع الجنازة، بل تبقى في بيتها وتتقي الله عز وجلَّ. ولو كان الميت قريبها أو ابنها أو أخاها أو أباها فلا تفعل، تبقى في بيتها وتتقي الله، وبيتها أستر لها.
السؤال الثاني والثلاثون: كيف يدخل الميت قبره؟
الجواب: روى الإِمام أبو داود من حديث عبد الله بن يزيد أنه قال: (السنة أن يُدخَل الميت من قِبل رجليه القبر) (1) ، أي أول ما يدخل من هناك رأسه ثم يمشي من عند رجلي القبر حتى يوضع في قبره، هذا هو المتصور. وهذا الحديث عند أبي داود من حديث عبد الله بن يزيد رضي الله عنه وأرضاه.
السؤال الثالث والثلاثون: ما حكم زيارة القبور للرجال والنساء؟
الجواب: أما زيارة القبور فهي سنة للرجال لقوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزُوروها فإنها تذكركم الموت) (1) . وهذا الحديث أيها الإخوة الفضلاء عند الحاكم من حديث أنس وهو صحيح.
وأما النساء فالراجح عند أهل العلم أنه لا يجوز للمرأة أن تزور القبور لقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زوَّارات القبور والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج) (1) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ولو أن بعضهم يقول: يجوز للمرأة أن تزور نادراً، لأن لفظ الحديث زوارات ويراها مثل الألباني لكن الصحيح لا، الصحيح (زائرات)، ورد هذا، ولو كان زوارات لما أخرجنا اللفظ من أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع الزوارات، ومن يخبرنا أن المقصود به من تكثر الزيارة ولو كان لفظ المبالغة.
وقطع مادة الإفساد هو الأولى والأحسن، وذلك لسدَّ الذريعة فتمنع النساء أن يزُرنَ المقبرة.
أما ما ورد مثلاً في صحيح مسلم والذي يستدل به مثل الشيخ الألباني وغيره من العلماء يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـعائشة لما قالت له: (يا رسول الله إذا زُرت القبور ماذا أقول؟ قال: قولي اللهم اغفر لهم وارحمهم) الحديث. فهذا والله أعلم يكون كما بين بعض الشرّاح إذا اضطرت أن تمرّ بالمقبرة، يعني امرأة مرتْ ما زارت، فلها أن تُسلّمْ، تكون في سيارة أو مرت مع ابنها، أو مرَّت وحدها، ورأت قبوراً فلها أن تُسلم وتقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) (1) .
وأما أن عائشة زارت قبر أخيها في مكة وبكت وأبكت فهو عند الترمذي من حديث عطاء ، وفي سنده نظر وانقطاع، ثم عمل الصحابي وحده لا يكون حُجَّة، والمسألة فيها بحث طويل.
والخلاصة: زيارة القبور للرجال سنة وللنساء فممنوع لهلعهن وفَزَعهن.
السؤال الرابع والثلاثون: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الميت يُعذب ببكاء أهله كما في الصحيح (1) ولكن أي البكاء؟
الجواب: البكاء الذي فيه نياحة وفيه رفع صوت وفيه نَدبة وتسخط على القضاء والقدر، أما البكاء الذي فيه حُزن القلب وسيل الدموع فهذا ليس فيه بأس، والرسول صلى الله عليه وسلم دمعت عيناه وحَزنَ قلبه وقال في موت إبراهيم : (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) (1) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
الخامس والثلاثون: السنة في العزاء -أيها الإخوة الفضلاء- أن تُعزي بالميت. قال الشوكاني : مدّة العزاء ثلاثة أيام، وألا يتجمع الناس في بيت الميت، ولا ينصبوا خياماً كما يفعل بعض الناس، ولا يصنع أهل الميت للناس طعاماً كما يفعل بعض الناس، وإنما قال صلى الله عليه وسلم عند الخمسة: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) (1) في قتل جعفر .
فالسنة أن يصنع الجيران والناس لأهل الميت طعاماً ويرسلوا الطعام لأهل الميت، وأما أن يُكلف أهل الميت بالطعام فليس من السنة، وتجمعات الناس الآن في الخيام وجلوسهم ثلاثة أيام وترك الوظائف والأعمال والأشغال والدراسة ليس من الإسلام، وهو دليل على العطالة والبطالة، حتى أن بعضهم يسمن وقتَ العزاء من كثرة ما يأكل، تصيبه تخمة، لا هم ولا غم، ولا بُكا ولا حزن، فإذا قلت له: لماذا لا تداوم أو تدرس؟ قال: وأترك مشاركة جاري في الأحزان، بل لا تتركه من أجل الطليان والخرفان! فكل هذا ليس وارداً لا عقلاً ولا نقلاً، ما فعله السلف ولا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة.
ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كتاب في هذا. السنة أن تُعزي ولا تجلس، ولك أن تعزي عند المقبرة أو في الطريق أو في السوق أو في الهاتف أو بالرسالة.
السؤال السادس والثلاثون: معتقد أهل السنة في قضية عصاة الموحدين. وقد سبق الكلام بأنه يخاف عليهم من العذاب وتُرجى لهم الرحمة، ولكن لا يخلدون في النار، ويُسمون فَسَقَة لأنهم من أهل الكبائر.
والأمر الثاني: هل نشهد لأحد بجنة أو نار؟
أما الجنة فقال ابن تيمية : لـأهل السنة فيها قولان:
القول الأول: لا نشهد بالجنة لأحد إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: من استفاضت عدالته وزهده وصلاحه وخيره شهدنا له بالجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: (وجبت وجبت) ثم قال: (أنتم شهداء الله في أرضه) (1) .
وأما النار فلا، ولا يُشهد بها إلا لمن شهد له الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بها كـأبي لهب ، وأما غيرهم فلا... مهما فعل. والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
نسألكم الفاتحة على والدتى واموات المسلمين
حسين فريد المحامى


avatar
حسين فريد المحامى
Admin

المساهمات : 86
تاريخ التسجيل : 21/07/2011
العمر : 38
الموقع : http://hussein.forumpolish.com

http://hussein.forumpolish.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى